كل مونديال والعرب بخير


                                                                                                      
ان تدريب الطيار البريطاني أو الأميركي يبدأ مع اختياره وهو فتى ليكون طيارًا حربيًا. وقد يستغرق هذا التدريب عشر سنوات، ويهتم بصحة الفتى وإلزامه بنظام صحي صارم ثم يلزمه بممارسة أنواع محددة من الرياضة، حتى إذا ما اطمأن المدربون إلى صحة التلميذ الضابط باشروا بتعريضه لمخاطر مدروسة على الأرض ثم في الجو، لمتابعة ردود فعله حتى إذا ما اطمأنوا سمحوا له بالطيران تحت رقابة مدربه، ولا يترك لوحده في غرفة القيادة إلا بعد الاطمئنان إلى يقظته وردود فعله في مواجهة المصاعب، ثم يكون الامتحان الأشق لأعصابه في مواجهة الأحوال الطارئة.
ويقال أن عبد الناصر كان يعلق على هذا القول:  نحن في مصر، ومجمل البلاد العربية، ولأسباب معروفة تتصل بشؤون التربية والتغذية والمحيط غير الصحي ونقص الاهتمام بالرياضة، فلا يمكننا اختيار تلميذ مؤهل ليكون طيارًا حربيًا إلا بنسبة واحد من كل عشرة آلاف طالب، أما في الغرب الأميركي والأوروبي على حد سواء، فالنسبة هي طيار واحد من كل ألف طالب مرشح ليكون طيارًا.
نقول هذه الواقعة بمناسبة المونديال المقام في روسية 2018، والخيبات التي عاشها الجمهور العربي (الموحد في عواطفه فوق رؤوس حكوماته) وهو يتابع مباريات هذا الحدث الرياضي الكوني بمزيج من مشاعر الحزن وخيبة الأمل والدونية والغربة عن العصر.
ولقد انتبه هذا الجمهور العربي إلى أن السليقة وحدها، والعيش في الشارع في قلب الفقر والتسرية عن النفس كل ذلك لا يكفي للفوز بالمباراة والتخلص من الكرب والشعور بالمهانة عبر الضغط على حارس المرمى والنجاح في تمرير الكرة إلى الأكفأ والأقدر على قراءة الموقف ومن ثم التسديد وتحقيق الفوز.
لقد برزت في المباريات التي خاضتها فرق عربية عديدة (من السعودية ومصر، والجزائر، والمغرب وتونس) كفاءات ممتازة، وسجل بعض اللاعبين المهرة أهدافًا صعبة في مواجهة فرق أوروبية ولاتينية مميزة، ولكن ذلك لم يكن كافيًا لاحتلال مراتب متقدمة، أو حفظ ماء الوجه بعدم الخروج من المونديال قبل نهاية برنامج مبارياته.
في الماضي القريب لهذه اللعبة الشعبية المثيرة للحماسة، كانت المراتب الأولى محجوزة للفقراء من لاعبي الكرة في الأحياء المهملة من مدن أمريكا اللاتينية، لا سيما الأرجنتين والبرازيل،
وقد صار بعض أبطال اللعبة من النجوم، بل إن بينهم من أمثال بيليه ومارادونا ونيمار وميسي، صاروا أشبه بمزيج من الأسطورة والقديس والبطل الوطني.
وحين باشر الأوروبيون الاهتمام الجدي بهذه اللعبة التي تعاظم جمهورها في العالم كافة، كان القرار أن يدرسوا الخصم أو المنافس و يتعرفوا على نقاط ضعفه و أسباب تفوقه، وأن يهتموا أكثر بتدريب فرقهم، وببناء الملاعب الفخمة، وأن يشجعوا الجمهور باستنفار وطنيته وحماسته، للتعويض عن الخسائر الفادحة التي منيت بها دولهم بانتهاء عصور الاحتلال العسكري واستعمار بلاد الآخرين.
أما إذا انتقلنا من الرياضة إلى السياسة فإننا سوف نجد أن أحوال العرب في حاضرهم أسوأ بما لا يقاس عما كانت عليهم في ماضيهم.
كانت رابطة العروبة تجمع العرب في مشاعرهم الأخوية تجاه بعضهم البعض، وقد أكدت التطورات المهمة التي شهدها الوطن العربي، انطلاقًا من مواجهة العدو الإسرائيلي في فلسطين، ثم بالحرب التي فرضها الغرب بالقيادة البريطانية ـ الفرنسية مع مشاركة العدو الإسرائيلي في العدوان الثلاث في خريف العام 1956. وصولًا إلى هزيمة الخامس من حزيران 1967، تضامنًا مقبولًا (مع شيء من الشماتة الضمنية بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر) مكن من اتخاذ خطوات عملية لنقل التضامن من الإطار النظري إلى الميدان العملي.
أما بعد رحيل عبد الناصر فإن آخر مشهد في مسيرة وحدة المصير قد تجلى في حرب رمضان ـ العبور ـ تشرين المجيدة في العاشر من رمضان، السادس من تشرين الأول 1973.
بعد ذلك سيتفرق العرب أيدي سبأ، بل ان دولهم سوف تتخاصم، وقد وصلت الخصومة في لحظات إلى قطع العلاقات وسحب السفراء ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس. ولم تعد إلى مصر إلا بعد سقوط أنور السادات مع اغتياله في 6\10\1981 وخلال العرض العسكري بمناسبة ذكرى حرب تشرين.
نصل إلى حالة العرب، عبر دولهم، اليوم.
إن العلاقات مختلة اختلالًا كبيرًا، وقد وصلت في حالات معينة إلى حد المقاطعة وسحب السفراء وتبادل الحملات السياسية القاسية (السعودية ومعها الإمارات وقطر).
كذلك فإن العلاقات العربية مع سوريا مشلولة وشبه مقطوعة، وما حرصت عليه بعض الدول (مصر، مثلًا، ولبنان) فهو إبقاء شعرة معاوية مع دمشق، مع عدم الإعتراض على طردها بقرار قطري من جامعة الدول العربية، وحرمانها حتى اليوم من المشاركة في اجتماعاتها وبالتالي في قراراتها… وطبعًا في مؤتمرات القمة العربية، بينما التطورات التي تشهدها المنطقة خطيرة جدًا، وأخطرها ما يتصل بمستقبل القضية الفلسطينية والقرارات الأميركية العدائية متمثلة بنقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة والحديث عن قرب اعترافها بالمدينة المقدسة عاصمة لدولة الاحتلال.
والعلاقات بين دول الخليج العربية بالقيادة السعودية والعراق مختلة وغير متوازنة وغير مستقرة.
وبرغم المظاهر المطمئنة فإن العلاقات بين مصر ودول الخليج بالقيادة السعودية تتبدى، حتى اليوم، كأنها شخصية وترتبط بالرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من ارتباطها بالدولة المصرية.
ويقول العارفون ان هذه العلاقة مكلفة. خصوصًا وان السعودية (ومعها الإمارات) كانت ترغب في أن تشارك مصر معها في الحرب على اليمن. لكن القيادة المصرية تحفظت على المشاركة الميدانية، وان هي جاهرت بالتحفظ على التدخل الإيراني في اليمن، وتعاملت مع حزب أنصار الله أو الحوثيين على انهم مجرد واجهة يمنية لهذا التدخل الذي لم يسقط فيه أي جريح أو (أسير) إيراني.
لم يكن ممكنًا أن يقوم اللاعب المصري الممتاز محمد صلاح بعبء انقاذ سمعة العرب وقدرات شعوبهم المقيدة بأوامر النظام، أي نظام وكل نظام عربي، في المونديال.
 كتابة التاريخ العربي الحديث مهمة جماعية ملقاة على الشعب العربي في جميع أقطاره، لا يمكن أن يقوم بها فرد أو مجموعة أفراد مهما بلغت كفاءتهم.
ولكي يحضر العرب لا بد من الديمقراطية، من حرية الرأي والعمل والحق في الاجتهاد والتنظيم، و الإنخراط في السياسة، بما هي الاهتمام بالشأن العام، وحماية حق الشباب في مستقبل أفضل من واقعنا المعاش في قلب التردي العام في مختلف جوانب الحياة.
أيها العرب: افتحوا النوافذ على الضوء، افتحوا الأبواب على الحرية، لكي يكون لكم غد أفضل، ومستقبل يليق بكرامة ماضيكم وحق أجيالكم الآتية في أن تكون حيث تؤهلها كفاءتها لأن تكون.
... منقول.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صرفت الى رب الانام مطالبي ...

إلى أين أيها الفقير السوري

أنا من أريحا عروس الشمال